بقلم : كريم الفحل الشرقاوي

 

ينكفئ العرض المسرحي على وعيه الخاص .. مبتلعا نصوص غيره .. مصادرا حقوق المؤلف .. و سلطة المخرج .. و طقوس الممثل .. و تفضية السينوغراف .. و خدع التقني ... مشكلا في سمكه الدلالي نصا آخر .. حقلا زئبقيا .. منفلتا .. مشاكسا .. ينحت بمكر سلطته و كينونته و مركزيته وعلاقته الشديدة الخصوبة و الخصوصية . إنه نص مطاطي .. جامح .. مشاكس .. موسوم بالتعري وافتضاض الذات .. يخشى الاكتمال والرشد .. منتش بمراهقته .. بعقوقه .. و مروقه .. يفزع إلى الفتنة والإثارة والرعونة والغواية .. غواية الآخر وإغرائه عبر وسائط وارساليات لغوية وغير لغوية : سلطة الكلمة .. بلاغة الصورة .. اشتعال الأركان .. كثافة الضوء .. متعة الفرجة .. جدلية الفعل .. فضائحية الجسد .. شعرية الفضاء .. صخب اللون .. هرمونية الإيقاع .. لغة الزي .. طقوسية الرقص .. شعائرية الإنشاد .. صخب الحركة .. فورية التلاقي .. جوانية الحلول في الآخر . إن نص الفرجة في تفرده وكثافة أنساقه الدالة .. ينتشي دوما وأبدا بنطفته العميقة المتربصة بالمتلقي . فيحل تجاذبه الجواني و يتحول إلى التحام إيباحي .. شبقي .. إفريسي .. لينزاح مستلقيا .. منتشيا .. متهتكا في حضن الآخر .. آنئذ تحل فيهما " مانيا " الذيثرمفوس .. ملء نشوتها .يمتهن نص العرض لعبة التشرد والتفكك الوجودي .. فتنحل أسراره .. لغاته .. طلاسمه .. أنظمته الترميزية و الدلالية متشرذمة في نعوش و توابيت سيزيفية .. مرتحلة من خشبة لأخرى .. ومن فضاء لآخر .. أشلاء تحتضنها نقالات منهكة بالقطيعة ( قطع سينوغرافية ... لوحات المناظر ... أكسسوارات ... أزياء ... أجهزة تقنية ... أفيشات .... ) أجساد ممزقة .. مفككة .. متشظية الانتماء و فاقدة لروح الترميز و الدلالة .. إنها الرغبة في الإلتحام بذاته العميقة و قد اتخذت هيئة إله ممزق ( أوزوريس ) متوسلا أن يرق له قلب الإله ( رع ) ليلملم أشلاءه و ينسج لليلة البعث / العرض شعائريته و طقوسه . هكذا تتأجج صبابة نص العرض في جعل بعضه أشد إلتصاقا ببعضه فيما يشبه الحقيقة الصوفية المنوجذة في ذلك الإلتحام .. الانصهار .. الحلول المؤدي للتوجدن و التوحد المطلق . إنها لوثة " الميميسيس " التي تغدو افتراء مزعجا تروم تعرية القوى السرية للذات بتبني عربدة وجودية .. عبر إطلاق سراح شعيرة النزق و الجنون و الفنتازي و الحلمي و العجائبي ... لأجل القبض على اللحظة الطازجة .. الطرية .. الحية .. إنها اللحظة المعجزة بتعبير بتر بروك حيث " تتحقق فيها الصور المكثفة التي بفضلها يتفتق الوعي . في هذه اللحظة يتحول صمت العام الخارجي إلى صمت حي . حيث يعرض للمتفرج الحياة أكثر وضوحا في لحظة تكثيف و صدق (1) .إن نص الفرجة ينكفئ على مكره الديونيسي .. المنتشي .. الشبقي .. محكما غوايته الإبليسية على نصفه الأبولوني الحكمي اليقظ .. ممارسا رعونته المطلقة من خلال إطلاق العنان لجسد الممثل لمحاكاة أول راقص دثر امبي و هو يناجي آلهة الخصب بواسطة الإيماء و الإنشاد و الإيقاعات الطقوسية التراثية والحداثية .. إنها اللغة الشعرية التي تجعل لغة الممثل بتعبير رولان بارت " حجر المحك وحجر عثرة . فعن طريقه يحدث شيء في الفضاء المفتوح للمسرح . فهو الذي يستطيع ان يعتم هذا الفضاء أو يضيئه .. كما يستطيع ان يحدد الحواجز أو يكشف السر" (2) . هكذا يشكل جسد الممثل عنف الصبوة القصوى لتلقيح رحم الفضاء الركحي .. بوشمه بالدم .. بمنطق الهوية .. بكاترسيسية الإخصاب .. والافتضاض الفضائحي لبكارة الأركاح .. مؤسلبة بذلك فضاءاته و مساحته و امتداداتها .. كاشفا برناته الصوتية و لسعاته الإيمائية ولدغاته الكوريغرافية عن شهوة الانتماء وصبوة الاشتعال مع وبالآخر . إن نص العرض .. نص خارق .. صدامي .. مأهول .. ممعن في الإلتباس . يعتلي كل ليلة خشبته / محرقته المشتعلة بأنفاس الحضور .. لإطلاق جحيم الأسئلة المندلقة من جوف الراهن و صخبه المؤجج لعنف المواجهة الميثوسية بين " مردوخ " إله النسق و " تيمات " وحش الخواء . و لأنه كالطبيعة يخشى الفراغ .. فإنه يظل نصا ممغنطا .. ممتصا لكا النصوص و الحقول ( نثر .. شعر .. تشكيل .. موسيقى .. بصريات .. تراث .. تكنولوجيا ... ) إنه نص موسوم بالتعدد و التكاثر و التكاثف .. مؤسلب بتقاطع لغاته و أنظمته و أجناسه .. مما يراد بكل نص يتم اقتطاعه .. بتره من جسد العرض إنحدارا إيديولوجيا فجا .إن نص العرض كحضور لا يتكرر .. لا يعوض . كاحتدام و التحام في منطقة الذروة .. تلكم الذروة المفجرة للذة العليا .. للرعشة الكبرى .. تتلوها انطفاءة موت ليست بالضرورة مرادفة للفناء .. و إنما كمؤشر على البعث و الخلق المتجدد . إنه كالفدائي الباحث عن دليل الحقيقة على حافة الشعرة الفاصلة بين الانفجار و الانشطار .. بين الجواني والبراني .. بين الحضيضي و المتعالي .. بين الحال والمحال . إنه نص غير قابل إلا الحضور المتوهج بفتنة الموت . حضور يحتفل بلحظة اشتعال قصوى .. ينطفئ بعدها لتظل روح الدراما كامنة فيه تماما كالبذور الجافة حين تظل محتفظة بقوة الحياة الكامنة فيها عشرات السنين . إنها فتنة الموت / الحياة المضادة لمبدأ التكرار و التواؤم المقرف . لذلك فنص العرض يسعى دوما للإحتفال ببهاء الموت لأجل بلوغ ذروة الحضور . إنه حضور ينتشي و يتوهج بالاشتعال و الإحتراق الفضائحي و العلني .. وهنا يمكن أن نتساءل مع جاك دريدا " ألا يساهم كل من الاحتراق و الفناء في متعة الحضور ؟ ألا يشكلون جميعا الحضور في امتلائه (3) .

* مسرحي مغربي

 

هوامش :1- د. جلال حافظ - ملاحظات عن التجريب في المسرح -مجلة فصول -المجلد الثالث عشر - المسرح و التجريب -الجزء الثاني - ص 37 .2- د. سامح مهران - الجسد المنصوص له و الجسد الحر - مجلة المسرح المصرية - ص 683- مدخل لفلسفة جاك دريدا - ترجمة ادرس كثير و عز الدين الخطابي - ص 45 .

 

 

المصدر: الدراسات المسرحية
seen-fcc

مؤسسة س للثقافة والابداع

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 96 مشاهدة

الترجمة

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

101,722

الدورة السادسة بمحافظة الاقصر

تقام الدورة السادسة من المهرجان المسرحى الدولى لشباب الجنوب فى محافظة الاقصر  خلال الفترة من 23 : 28 فبراير 2022